آخر الأخبار
... جاري التحميل

الفنان العماني حسين عبيد الرسم ومرجعيات الأثر

0

خضير الزيدي يذهبُ الناقدُ الفنيُّ الانكليزي، هربرت ريد، في كتابه (الفن والمجتمع) إلى القول بان العمل الفني، يملك المنشأ المباشر في الشعور الواعي، للشخص الفرد، بحيث يتكامل مع الثقافة العامة لشعب أو لعصر ما. وقد تتطابق هذه الرؤية مع الكثير مما يقدمه الفنان العُماني، حسين عبيد في لوحاته الداعية للتمسك بخيار (الجدار وأثره)، مستعينا بطروحات الفنان شاكر حسن آل سعيد، ومحددات المعرفة البصرية، والقيم الجمالية التي دعا إليها، مع الأخذ بنزعته الفكرية، وما تخفيه أو تعلنه من انطلاق مبدئي، ينسجم مع ذاكرة، وخيال الإنسان العربي، التواق للأثر، وخاصة ما اندثر منه ،وحفظته الذاكرة. ونحن هنا إزاء تصور واتجاه ينساق إليه الفنان، بعيدا عن رمزية الطبيعة، وإغرائها المرئي، ليضعنا في أعماله، عند خيار التمسك بفن تجريدي، تستدعي نقاط التقائه، مع خيال جامح، يذهب بالرسم إلى محددات ذهنية جمالية. وبين انتماء، وعاطفة، لمكان تراثي (بيئي). هذا المركب، ووفق التحولات البنائية الفنية المشيدة، في أسلوبه، ينفتح على أنساق متنوعة تشكل ملامح الدلالات فيها، أرضية خصبة، غالبا ما تكون مرجعيتها، محيطية، بمعنى أن ذاكرته والتفكير الملازم لها، يمليان عليه التمسك بخيار المحلية كصيغة جمالية وفكرية. حتى لو كلفه أن يضيف، على اللوحة مواد حية، تشير إلى مخلفات،وهي بالنتيجة، حافز جمالي لإحياء البيئة، أو الإشارة إليها، وعليه،لا بد أن تتوفر أمامه قواعد، يخضع لها الفنان،وهو ينتج خطابه البصري. ويجذبنا في نهاية المطاف، لمستويات من الانسجام، بين الإيقاع الحسي الداخلي، ونتائج عمله،وما يمكن أن ينتج بينهما من مطابقة. ثمة أشكال ومربعات هندسية وخطوط وحروف تستكمل وحداتها،وفقا لنظام بنائي صارم يستعين بهاعبيد، كمرجعية لها وجهة من العلاماتية الصارخة وبقدر ما تحمل تلك الخطوط والأشكال الهندسية المربعة والمستطيلة، من غاية شكلية، إلا إنها تصر،على أن تبين لنا وعاءها المعرفي. فهي لوازم ظاهرية، شيدت في متن اللوحة لتمارس وظيفتها وسلطتها على المشاهد.وتخضع  لهيئات، عضوية شكلية مترابطة فيما بينها. مكونة سلسلة، من النظم الهندسية، فما الغاية من تأملها..؟ وما حاجة المتلقي إلى معرفة تجاورها التكويني؟ لعل الملفت بعد تفكيك تلك الوحدات الهندسية، أن نشير إلى نتائج علاقاتها، فهي تظهر، اتجاها بنائيا يضعنا عند تجاور الصياغات. فيما بينها، وهي بالنتيجة،لا تريد أن ترينا شكلا زخرفيا، ولا متانة في التشابه والتوزيع. إنما ثمة خيار آخر، يندرج تحت ثقل القيمة الجمالية لتنوع الوحدات وتمثيلها البصري وعليه،تكون وجهة هذا الفنان الذهاب بالمتلقي نحو البنية المعرفية ويغلب على متذوقي هذا الفن الاسترخاء والابتعاد عن الدهشة. ثمة زهد في الأشكال،وطاقة في التعبير،وهناك خيار يتأسس وفقا لعلاقات الخطوط والمربعات الهندسية فيما بينها. وبهذا يتعامل الفنان مع الدال، كقيمة منطقية، وليس رمزا تمثيليا. وتعزى هذه التقنية الفنية، إلى متانة وقدرة يبديها هذا الفنان، ليحافظ على طقس من الجمال، وليس تصورا إغرائيا، تتبين فيه ملامح تجربته. ومع كل هذا، ثمة منطق لاستقراء الأشكال،وحمولاتها الدلالية،إذ تمتلك تلك التجريدات وظائف من الضرورة أن نتلمس حاجتها الاجتماعية. فهي تمهد لإشارات، وأغراض،تعكس حاجة الإنسان لنسيجه الروحي. وهذا التفنن في تعرية علامات المربع والمثلث وتهشيمهما وإبداء غريزة عالية في الخطوط كلها تدل على  استلاب مكاني لأثر غائر في الجدار وكلما انعكس ذلك في زيادة إنتاج الرموز والدلالات صاحبتها كثافة من الألوان المستخدمة وغالبا ما تظهر نسيجا لونيا صارحا بنسق موحد ونتساءل عن التقنية اللازمة،إنها نوع من اللعب المرتبط  بين أدلة اللوحة وصرامة البعد النفسي وما المساحات اللونية الداكنة وإظهار بعدها التعبيري إلا إيحاء يعلنه الفنان أمام المتلقي ليظهر لنا مدى اهتمامه بالأثر المقدس، لقد استعار عبيد الخبرة من رافع الناصري حتى يخيل إليك أنه تلميذه الوفي وحامل لوائه في الفن  فالغالب على أعماله إنها تفضي لمرجعية الناصري من حيث الصياغات البنائية وطريقة فهم الرسم والتقنية المستوحاة من الإمساك بقابلية الرسم وفن الكرافيك وهذا ما جعل عبيد  منشدا بإصرار للتمسك بتجريدات الناصري. وأنا انظر لأعماله أجد نفسي في حيرة من التساؤل حيالها ما الذي يود قوله هذا الرسام؟ لِمَ عليه أن يتبع خطى شاكر حسن في الرؤية والتنظير وطريقة رافع الناصري في تعزيز خطاب اللوحة البصري..وما المتبقي من خزين ذاكرته تجاه الجدار وآثاره ومخلفاته الشكلية. إنها أسئلة تراودني،لأجد مبررا لها،وأنا أتعمق في الكشف والتنقيب في أعماله الأخيرة. فأجد تمثيل البيئة وتراثها المحلي،مغروسين في عمقه النفسي، وهي إشارة لانتماء حياتي وانثربولوجي. ويبدو أن التعبير عن خلجاته النفسية، والاجتماعية،تعطي مساحة من الحرية مع الرسم، وكأنه متعطش للاغتراف من بيئته العمانية، ليكون متطرفا في إنجاز لوحاته، وهي تلزمنا كشف التراث والتاريخ والأثر موضوعا لها. هذا المدلول، يذكرنا بما طرحه امبرتو ايكو في كتابه (العلامة تحليل المفهوم وتاريخه) حينما يتساءل،لماذا تنتظم المدلولات دائما، انطلاقا من الأنموذج الذي تقدمه الدوال؟ أعتقد أن شأن الانثربولوجيا والميثولوجيا ورواسب التراث، كانت كفيلة بسحب الفنان لتعزيز الدوال في درجة من التكامل السيميائي. ولا يجب أن تكون استثناءً لأننا أمام حاجة غريزية يعلنها الفنان حينما يستثني المحيط ويتمسك بالمركز وأستطيع أن اسميها (بلذة التعاقب) إذا كان المكان انتماءً فمظاهره تعبير فني يخصه عبيد بلمسات من الفن التجريدي وإذا كان المجتمع هويةً فهو لا يستنثي تراثه كمظهر لنظام حياتي واستنادا لهذا الإدراك الحي في نفسيته ووجدانه يتطابق المتغير الدلالي مع الإجراء الفعلي لينتجا لنا تحولا بصريا في مدلول مميز لا يترحل نحو المقدس ولا يثبت عند التمثيل الحسي. إنها  بحق إمكانية الرسم وإثارته وتحقيق غايته لهذا علينا أن نستسلم حينما نواجه لوحته لندرك مدى التزام الفنان بخيار الفن وخطابه البصري مع التمسك بهويته المحلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظه © عرب تك

تصميم امني