البصرة/ صفاء ذياب في جلسة حضرها عدد كبير من أدباء ومثقفي مدينة البصرة، فضلا عن ضيوف من مدن عراقية أخرى، احتفت دار ومكتبة شهريار بالتعاون مع التجمع الثقافي العراقي الحديث، بصدور كتاب “طريق لا يسع إلا فرداً.. المعنى الشعري- الحرية- الفردية” للشاعر عبد الزهرة زكي، وهو الصادر مؤخراً عن دار شهريار في البصرة. الجلسة التي قدّمها الشاعر طالب عبد العزيز، تحدّث فيها عبد الزهرة زكي عن رؤاه وتصوراته حول الشعر والفنون في كتابه الجديد، قائلاً: ليس بالإمكان تعريف الشعر، وهذه خلاصةٌ يبدأ منها الكتاب، وقلتُها قبل قليل، واستحالة هذه الإمكانية، عجزُنا عن تعريف الشعر، هو ما يجعل التفكير في الشعر ضرورة نحن نفكر بما نحار به، نفكر بما نعجز عن معرفته والشعر حيرة دائمة، هذه الحيرة هي نصيب من يتورط بالشعر، ولابد من قبول الثمن ما دام الشعرُ يكافئ الشاعر ومعه يكافئ قارئه النادر. مضيفاً: فالشعر،وفي المقابل من هذه الاستحالة التي هي من دواعي الحيرة، هو وسيلة للمعرفة؛ المعرفة بالشعر، بواسطة الشعر، هي معرفة رؤيا واستبصار وحدوس وتأملات، ولا وسيلة لزيادة سعة الوجود من دون هذه المعرفة الشعرية، الشعر دائما في عمل دؤوب من أجل خلق كون محايث لكوننا الضيق، عمل لا ينقطع ذلك لأن الشعر، وكلما أضاف شيئاً بخلق كونه المحايث يشعرنا بنقص آخر في كوننا الذي نحيا فيه، إنجاز الشعر ورفعته هي في هذا الجدل الدائم وفي ما ننتهي إليه من شعورٍ يظل دائماً بالحيرة إزاء هول النقص الذي يتعاظم في عالمنا وحياتنا وكوننا،بهذه المعرفة الشعرية يكافئ الشعر الشاعر. ويتساءل زكي:ولكن لماذا تتوجب معرفة الشعر؟ الشعراء والنقاد والمنظرون ومؤرخو الأدب كانوا دائماً في محاولات لا تنقطع من أجل بلوغ تلك المعرفة، أنْ لا تنقطع تلك المحاولات لا يعني في كل الأحوال تعذّر هذه المعرفة؛ معرفة الشعر. واقعاً تحصل هذه المعرفة؛ ليس من شاعرٍ ولا من قارئ فذ لا يتعرفان على الشعر ولا يعرفانه.
معرفة الشعر شهد الاحتفاء عدة أوراق حول كتاب زكي، ابتدأها الدكتور لؤي حمزة عباس، مؤكداً أن زكي لم يكتف بما أنجزه في حقله الشعري، ولم يقف عند حدود ما قالته القصيدة، بل يسعى لتحقيق (معرفة بالشعر). يمكن قياس مجمل ما أنجز من شعر بفاعلية هذه المعرفة، وما تطمح لتحققه من استبصار، بحثاً عما ينطوي عليه الشعر من معان غير محددة، تشكل الحرية والفردية ركنيه الأساسيين، وهو يمضي على طريق يبدو واسعاً لا نهاية له على الرغم من كونه لايتسع إلا لسائر واحد في خطواته ترتسم فرديته وتتأكد حريته وهو يبحث عن معنى أنه يسير وحيداً في طريق يضج بالإشارات والأصوات. في كتاب (طريق لا يسع إلا فرداً) تتجلى خصائص المعرفة التي يتأسس عليها مشروع عبد الزهرة الشعري، والكيفية التي صيغت من خلالها بوصفها تعديلاً وتغيراً مستمرين، لتكون تخليقاً لمفاهيم جديدة، وهو في بحثه عن (فهم الشعر) ينقض الشاعر كل فهم مسبّق، مؤسساً لوضوح المعنى الشعري، بعيداً عن الاختزال والتبسيط. في حين كانت ورقة الدكتور صلاح حسن حاوي مغايرة، فقد قرأ الكتاب قراءة بلاغية ومنهجية، مبيناً أن زكي لم يخضع للمناهج النقدية التي نعشقها وندبّر من خلالها تفاصيل كتابتنا النقدية، ولا يعني هذا أنه كان منفلتاً منهجياً، بل كان منفلتاً من صرامة القاعدة والقالب والخطوط والترسيمة والقوانين التي نذهب وراءها ولا تأتي وراءنا، فكتابته تذكّرنا بالكتابة النقدية الواعية بالنقد وليست الواعية بالمنهج، وهمّها كيف تأتي بالمنهج. في نهاية المطاف يمكن أن أصف خطاب هذا الكتاب بأنها الكتابة التي تعتني بنفسها ولا تنشغل بالمنهج وترسيماته وقوانينه, الكتابة التي تنشغل بالكتابة لا بغيرها، يبدو أنه يكتب نقداً بروح الشاعر، فيصوغ خطابه بلاغياً في أكثر من موضع، في واحدة من توصيفاته للشعر (انه مختبر كوني دائم الاشتغال، نفايا هذا المختبر وغازاته ودخانه هي المضمار التي لا يجري الانتباه إليها من أجل صيانة البيئة الشعرية). ويشير حاوي إلى أن زكي يستحضر أسماء إبداعية وفكرية عبر استدراج سيرتها أو إبداعها في عالم الكتابة، وبعضها كأنها القيم الإقناعية التي يتقنّع بها، فهناك (فيرلنغيتي، مايكوفسكي، نازك الملائكة، فؤاد رفقة، بابلو نيرودا، بورخيس، أوكتافيو باث، فاليري، أدونيس، فتغنشاتين، هنري ميللر، رامبو، السياب، ماركيز، تشارلز، أنسي الحاج…) كما تحضر عناوين أخرى لمقولة الخليل ولم يحضر الخليل نفسه، لأنه يبحث عن الطريق الذي لا يسع فرداً.. في حين تحدّث الشاعر هيثم عيسى عن الكتاب موضحاً أنه إذا كان لكل كتاب حيلته، فإن حيلة هذا الكتاب في صياغة عناوينه، إنها كثيفة ومحرّضة، يشعر القارئ وتحشّده إلى متن الكتاب بعناية وشعرية فائقتين، فتضيء موضوعة الشعر وقضاياه، وتبدو كأنها خلاصاته الرئيسة، تقول خلاصته الرئيسة إن الطريق لا يسع إلا فرداً، بينما تكون العناوين الداخلية، مثل (النوتات صحيحة لكن الموسيقى خطأ، حينما التقى النسيان والشعر والموت معاً في لحظة واحدة، عبثاً تبحث عن صحوتك في ظلك عبر جدار)، وغيرها، فعبر أربعين مدخلاً تقريباً يخلص الشاعر إلى أن الشعر يضع صاحبه في المنطقة الخطأ، الشعر عمل صعب والدفاع عنه عمل أصعب.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق